جورج هانتر
معالج نفسي مع أطبّاء بلا حدود

منذ ستة شهر فقط، كان بعض الأفراد يعيشون في منازلهم في مدنهم حيث ارتاد أولادهم المدرسة واستيقظوا في الصباح وتوجهوا إلى أعمالهم. أمّا الآن فهم يعيشون في خيمة، ولا يمتلك معظمهم أي شيء. أجبروا على الفرار، وفي حالات عديدة، فقدوا أفرادًا من عائلاتهم وأصدقاءهم أيضًا. لذا، فإن كل فردٍ في هذا المكان مُصاب بصدمة إلى حدٍّ ما، وتختلف الطريقة التي تتجلى بها هذه الصدمات، سواءً كانت عدم قدرة على النوم أو الامتناع عن تناول الطعام أو آلام في المعدة – ولكن ما هو مشترك أن الجميع قد تأثّر بما حصل.
يتردّد لدينا الكثير من الأشخاص الذين يسكن أفراد عائلاتهم في مخيمات أخرى. وفي بعض الحالات، لا يمتلك البعض أدنى فكرة عن مكان تواجد عائلته أو أطفاله. وقد اختبر بعض الأشخاص اللجوء مرتين أو ثلاثة في الماضي القريب. إذ فروا من بلادهم في بادئ الأمر وتركوا كل شيء وخسروا ممتلكاتهم كافة. ثم عادوا بعد أن بدا الوضع مستقرًا، وأعادوا تنظيم حياتهم بأفضل طريقة ممكنة، واضطروا بعدها إلى الفرار مجددًا. وبالتالي، اختبروا الصدمات نفسها من جديد وتكررت هذه الدورة مرات متعدّدة، ويزداد الوضع سوءًا في كل مرة. بطريقةٍ ما، في كلّ مرة يقلّ الاستقرار ويضعف الأمل.
يشكّل الأطفال الفئة الأكثر حاجةً على وجه الخصوص لأنّ هذه المدينة صغيرة للغاية، وبالتالي يسهل استغلالهم بشتّى أنواع الطرق حين يكونون بمفردهم. فهم لا يملكون النضج الكافي أو لا يعرفون كيفية التصرّف. لا يعرفون كيف يتوجهون إلى المسؤولين أو كيف يحصلون على الطعام والخيم، وهي أمور يصعب على كل من يتواجد هنا القيام بها. يسود المكان نظام معقد، ولكنّ الأطفال بالأخص عاجزون عن التعامل معه.
تأسّست هذه المخيمات بسرعة قياسية وتبرز محاولة لحلّ المشاكل الموجودة فيها. تضمّ المخيمات مئات الآلاف الآن وتُقدّم إليهم المواد الغذائية الجافة. إنه موسم الأمطار، وبالتالي لا يمكن إيجاد الحطب فيصعب الطبخ وتحضير الطعام ويُجبر سكان المخيم على الذهاب إلى الغابة وجمع الحطب. وتعرّض المرأة التي تقصد الغابة بمفردها لجمع الحطب نفسها للخطر. أمّا المراحيض، فهي غير مضاءة ويتوجّب على النساء الخروج بمفردهن في منتصف الليل.
تعمل في المخيم فرق كبيرة تابعة للمنظّمة تضمّ العاملين في مجال الصحة النفسية. وإن كان المقيمون في المخيّم قد أصبحوا لاجئين فهذا لا يعني أنّهم قد تخلوا عن مهنهم. ولذلك، في هذه المخيمات الكبيرة، نحن قادرون على إيجاد البورونديين الذين يعملون في مجال الصحة النفسية، والذين عملوا في السابق كأخصائيين اجتماعيين أو معالجين نفسيين.
في ما يتعلّق بالصحة النفسية، تعتبر إحدى وظائفنا الهامّة هي تطبيع التجربة التي مرّ بها اللاجئون. على سبيل المثال، وفي حالة مريضة معينة، من المهم إيصال رسالة لها مفادها أنّها إن كانت ترى الكوابيس وتعجز عن النوم ليلًا فذلك ليس لأنها تُصاب بالجنون أو لأنّها تعاني من اضطراب نفسي، بل بسبب ما اختبرته من ظروف. ف”الوضع جنوني، ولكنّ الشخص ليس مجنوناً” هي رسالة قوية للغاية علينا إيصالها. وغالبًا ما تتجلى كل من الصدمة والقلق جسديًا، فنصادف حالات تعاني مثلًا من ألام المعدة والصداع المزمن. وأحيانًا، يكفي التحدّث عن وضع المريض ووسم حالته بالطبيعية والاستماع إليه، لنجد تأثيراً إيجابياً هائلاً.
ما أجده مثيرًا للذهول هو مدى سوء الوضع ومع ذلك لا أحد ملمّ بما يحصل. نبذل ما في وسعنا ويحاول اللاجئون جاهدًا للاعتناء ببعضهم البعض. أظنّ أن أكثر الأمور اللافتة للأنظار هو مدى الاهتمام والرعاية الظاهر بين المجتمعات المحلية هنا بالرغم من كل المعاناة التي اختبرها الناس. (يناير/كانون الثاني 2016)

لرؤية جميع الشهادات الحية