كاتيرينا هوليكوفا
قابلة قانونية تعمل مع أطبّاء بلا حدود في وحدة الأمومة في مخيم دوميز

نعبر المدينة ونحن في طريقنا إلى مخيم دوميز، ونرى الناس مندفعين إلى أعمالهم، والأطفال يلهون في الحافلات بينما يتوجهون إلى المدرسة. تسود حالة من الهرج والمرج أمام المخيم – سيارات تدخل وأخرى تخرج، وأفراد من كل حدب وصوب يعبرون الشارع. خلف البوابة مباشرةً، تتواجد سوق صغيرة، فارغة (في الوقت الحاضر)، لا تضمّ سوى بعض الباعة الذين يفرغون الخضروات. نُكمل طريقنا باتّجاه وسط المخيم على طريق ترابية يحيط بها من الجانبَين محلات تجارية مختلفة تضمّ فساتين الزفاف والهواتف الجوّالة علاوةً على محلات الحلوى والشاورما. كما ويتواجد “متجر للحيوانات الأليفة” يبيع طيور الحبّ.
معظم المنازل في المخيم اليوم مصنوعة من الأسمنت وحصل أغلبية السكان على رخصة بناء. تختفي الخيم شيئًا فشيئًا، ولم يتبقَ سوى القليل منها. معظم عتبات الأبواب نظيفة ونرى أفراداً منهمكين بالتنظيف، بما أنّه، حتى وسط هذه الظروف الصعبة والقاسية، يحاول الناس الحفاظ على نظافة منازلهم وترتيبها.
نقف أمام وحدة الأمومة التابعة لأطبّاء بلا حدود. في هذه الوحدة المتواجدة داخل مخيم دوميز، يُبصر النور حوالى 100 طفل كل شهر. وتقدّم فيها كذلك أطبّاء بلا حدود استشارات قبل الولادة وبعدها (مجاناً). أغلبية المريضات هن نساء سوريات نازحات يعشن حاليًا في المخيم.
يبدأ نهاري في قسم الفرز حيث ننتظر وصول النساء الحوامل أو الأمهات برفقة أطفالهن حديثي الولادة. يُقاس ضغط دمهن جميعهن ويُكملن طريقهن في ما بعد إلى غرفة الاستشارة المناسبة. نرى صفًّا من عربات الأطفال أمام قسم الفرز، ما يعني أنّه يوم استشارات ما بعد الولادة والتلقيح والرضاعة الطبيعية. تكتظ غرفة الانتظار في المبنى الرئيسي بالناس.
في غرفة استشارات ما بعد الولادة، يصرخ مولود جديد بصوت عالٍ كنّا أيقظناه لنزنه ونقيس طوله. تبدأ والدته بإرضاعه ويشعر الطفل بالسرور. في القسم الآخر من الرواق، يوجد قسم مخصّص للتلقيح وتسجيل حديثي الولادة وركن للرضاعة الطبيعية. أتوجّه إلى غرفة الولادة بينما تقدّم الممرضات تثقيفاً صحياً حول خدمات أطبّاء بلا حدود. أدخل غرفة الولادة حيث تجلس قابلة تدعى عبلة قد عادت لتوّها من إجازة أمومة. نتحقّق معًا من خطة اليوم ونراجع ما حصل الليلة الفائتة. يسود الهدوء في غرفة الولادة في الوقت الراهن، وتستريح امرأة برفقة طفلها حديث الولادة في غرفة ما بعد الولادة.
يمرّ الصباح المفعم بالهدوء بسرعة ونُنهي بعض الإحصاءات ولكنّنا نكرّس القسم الأكبر من وقتنا، أنا والقابلات المحليات الأخريات، للاعتناء بالنساء الحوامل.
يحين وقت الغداء، فننتقل إلى مطبخ صغير يضمّ طاولات بلاستيكية متعدّدة. الجميع منهمك بإخراج وجبة غدائه، ونتشارك الطعام. لا يأكل أحد الطعام بمفرده، بل نتشاركه مع بعضنا البعض.
بعد الغداء، نُدخل امرأة على وشك أن تضع طفلها الثالث إلى غرفة الولادة. سبق ووصلت عملية الولادة إلى مرحلة متقدّمة. انتفعت هذه المراة مسبقًا من استشارات ما قبل الولادة التي نقدّمها، وبالتالي، نمتلك جميع المعلومات الخاصة بها. نقوم بنقلها من غرفة الفحص إلى غرفة ما قبل الولادة. نملأ بطاقة الرعاية الصحية الخاصة بها وننتظر أن تحين لحظة الإنجاب. في هذه الأثناء، تخبرنا أنّها أتت إلى دوميز من سوريا برفقة زوجها وكافة أفراد أسرته وأسرتها. اعتادت على الحياة في المخيم، فتعتبره الآن منزلها. تشتدّ حدة الانقباضات وتبدأ بالدفع، فننقلها إلى غرفة الولادة. تُحضّر القابلة الشابة زاينا سرير الولادة. بعد بضعة انقباضات إضافية، يُبصر النور صبي جميل. هو طفلها الثاني الذي تضعه في وحدة الأمومة هذه. لم تختر اسماً له بعد. نعيدها بعد الولادة إلى غرفة المرضى وتُرسل إلى المنزل بعد ساعتَين.
الأمهات هنا شجاعات للغاية، لا يشتكين بل يحمدن ويشكرن دومًا.
تُحضر بعد فترة قصير امرأة أخرى إلى غرفة الولادة، ولكن هذه السيدة سبق ووضعت مولودًا بعملية قيصرية. تشعر بألم شديد وتصل على كرسي متحرّك. نقوم بفحصها بسرعة ونتحقق من نبضات قلب الطفل ونُجهزها لننقلها. لا بدّ من نقلها إلى مستشفى المدينة، فنجري اتصالًا ليتمّ تجهيز سيارة الإسعاف وملء أوراق النقل ونملأ كذلك صندوق حالات الطوارئ في حال أبى الطفل أن ينتظر وقرّر أن يولد في الطريق إلى المستشفى. أصبح كل شيء جاهزًا. ترافق إحدى القابلات المرأة إلى المستشفى.
تصل امرأة أخرى إلى غرفة الولادة…
تمتلئ غرفة الولادة في فترة بعد الظهر بالمزيد من النساء في المخاض، واللواتي يرافقهن في أغلب الأحيان نساء أخريات. ينتظر الرجال في الخارج وتسير النساء الحوامل في أرجاء الغرفة بانتظار لحظة الإنجاب بينما تستلقي المرافقات على الأسرّة ويسود الهدوء في الأجواء. تستمع القابلات إلى نبضات الأطفال كل ثلاثين دقيقةً ويتأكدن من استقرار وضع النساء الحوامل.
في وقت متأخر من بعد الظهر، أعود إلى القاعدة. انتهت مواعيد الاستشارات لهذا اليوم، ووحدهن الزميلات المسؤولات عن النوبة الليلية يبقين في غرفة الولادة كي يتمّ توفير رعاية في الوحدة على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع.
نعود أدراجنا إلى القاعدة، وقد أصبح المخيم مزدحمًا الآن. نصادف أطفالًا من المدرسة المحلية، ونمرّ بمحاذاة متجر للحيوانات الأليفة حيث تُعرض طيور الحبّ داخل أقفاص متأرجحة، ونعبر متجرًا للهواتف الجوّالة وصالون حلاقة والكثير من المطاعم… الجميع منشغل وتهيمن البهجة على الأرجاء. السوق التي كانت خالية تنبض الآن بالحياة وتقدّم كل شيء تقريبًا، بدءًا من الأسماك الطازجة وصولًا إلى صرف العملات. نقود باتجاه خارج المخيم، بينما الشمس تغيب خلف التلال المجاورة. بعد العودة إلى المدينة، أذهب إلى المكتب لأُنهي العمل على بعض الأوراق، وأكتب التقارير عن هذا اليوم، ثمّ يحين بعدئذٍ وقت عودتي إلى المنزل. (مارس/آذار 2017)

لرؤية جميع الشهادات الحية