ماشالا
كردية-سورية وعاملة في مجال التوعية الصحية في أطبّاء بلا حدود

اسمي ماشالا وأنا كردية من سوريا، متزوجة ووالدة لأربعة أطفال. أنحدر أساسًا من ديريك ولكنني ترعرعت في دمشق التي أعتبرها موطني.
كان زوجي فنانًا يعمل كمُدرّس موسيقي، وانخرط كذلك في بعض الأعمال التجارية. كنا نعيش حياةً كريمة في سوريا. كنّا نشعر بالسعادة، وكان لنا منزلنا الخاص. وكان أطفالي يرتادون المدرسة، ولكل واحد منا عمله الخاص. اعتدنا أن نعيش حياتنا بشكل طبيعي إلى أن دقت طبول الحرب.
نشبت الحرب في الأرجاء كافة، وكان النزاع يبعد 15 دقيقةً عن منزلنا، فكان بإمكاننا سماع أصوات إطلاق النار والانفجارات. اعتدنا أن نستيقظ خلال بعض الليالي على صوت الانفجارات، ما بعث الرعب في نفوس الأطفال ودفعنا في كل مرة إلى النزول إلى الطابق الأرضي في محاولةٍ منا لتهدئتهم. لم نقم بأي تحضيرات للرحيل وظننا بأننا عاجزون عن الخروج من سوريا.
لم يُخيّل إلينا بتاتًا أن تتدمر سوريا بهذا الشكل في يوم من الأيام. عندما كنا نشاهد أخبار الحروب في مناطق أخرى، كنا نشعر بالأسى تجاه الناس في تلك المناطق. لم نظنّ بأنّ الآخرين سيأسفون على حالنا في يوم من الأيام. لم يخطر في بالنا إطلاقًا أننا سنُحاصر يومًا في حرب.
أذكر كيف انهمكت طوال شهرٍ بتوضيب حقائبنا. كانت وتيرة القتال تتراجع في يوم، وأقول لنفسي بأننا لن نغادر، لتعود وترتفع في يوم آخر، وأقول لنفسي بأنه من الضروري أن نغادر، ولا بدّ لنا أن ننطلق في الغد.
اتّخذنا في نهاية المطاف قرارًا بالمهاجرة. لم نعرف أن الحرب السورية سيطول أمدها بهذا الشكل. توقعنا أن يعود الوضع إلى سابق عهده في غضون شهرَين أو ثلاثة. لم نوضّب سوى حقائب صغيرة. أعجز عن نسيان المشهد عندما طلبت مني طفلتي الأصغر سنًا أن أضع دميتها في الحقيبة، قائلةً بأنها تودّ أن تأخذها برفقتها، ولكنني رفضت وأخرجتها. لعلّها شعرت آنذاك بأننا لن نعود إلى منزلنا عمّا قريب، وما زالت حتى الآن تتحدّث عنها، وتسألني لمَ لم أحضر دميتها برفقتنا.
عندما غادرنا، لم نعرف بأنّ المطاف سينتهي بنا في مخيم للاجئين. عندما وصلنا إلى هنا، تحوّلت الراحة والسعادة داخلنا إلى حزن كبير. لم أظنّ يومًا بأننا سنعيش في مخيم من دون مياه وطعام، وفي مثل هذا الطقس الحار. عجزت عن تصديق ما يحصل وأصابني ذلك وأولادي بالمرض خلال الشهر الأول على وجودنا هنا. أُصيب أطفالي بالإسهال والأمراض. تصببوا عرقًا ولم تتوفر المياه ليستحموا. اضطررنا في بعض الأحيان إلى الوقوف في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة لنحصل على المواد المُوزّعة.
تصل درجات الحرارة أحيانًا هنا في دوميز إلى 50 درجةً مئوية والجو شديد الحرارة في منتصف شهر أغسطس/آب.
في إحدى المرات، كنت أقف في طابور برفقة ابني. احمرّ خدّاه وأصيب بحروق من الشمس. كان علينا أن ننتظر هناك مدة ساعة، وضمّ الطابور كبار السن الذين فقد بعضهم الوعي. سكبنا الماء على وجوه هؤلاء الذين أصابهم الإرهاق. وكل ما أمكننا فعله هو مواساة بعضنا البعض. سيطر الإحباط على الناس الذين تشاجروا فيما بينهم. كان وقتًا عصيبًا بالفعل.
أعمل اليوم مع أطبّاء بلا حدود كعاملة في مجال التوعية الصحية داخل المخيم. نُخبر الناس عن خدماتنا الطبية المجانية ونُثقفهم بشأن المسائل الصحية المختلفة ونساعدهم على معالجة مشاكلهم. في الحقيقة، أنا مسرورة للغاية بأن لديّ هذا العمل. ساعدني على نسيان الكثير من ذكرياتي السيئة والألم بما أنه يبقيني منهمكة، فأعجز عن التفكير بالماضي.
أعمل من الفجر حتى الغسق، وأعود بعدئذٍ إلى المنزل وأعتني بأطفالي وأنجز الأعمال المنزلية. لا أملك الوقت لأفكر. زدّ على ذلك، أنا أجني المال من أجل عائلتي ويمكنني أن أغطي النفقات المعيشية. سررت للغاية بحصولي على هذا العمل الذي احتجنا إليه بشدّة. أنفقنا كل ما نملك من مال لننتقل من سوريا إلى العراق.
نخرج أيام الجمعة ونصطحب الأطفال إلى الحديقة أو نزور أصدقاءنا أو أقرباءنا ونمضي اليوم بأكمله برفقتهم. ننجز كذلك الأعمال المنزلية في حال وجودها. وإن سمح لنا الوقت، نصطحب الأطفال إلى خارج المخيم لنبتعد عن أجوائه لفترة من الزمن.
جميع المشاكل في المخيم من النوع نفسه. على سبيل المثال، تجاوزت سيدة الطابور وطلبتُ منها أن تعود إلى الخلف وأن تنتظر دورها. فقالت لي: “دعيني وشأني، لم أكسب رزقي منذ ثمانية أشهر وزوجي عاطل عن العمل؛ سأنتظر هنا حتى يحين دوري”. يعاني سكان المخيم باستمرار من تكاليف المياه والمستلزمات الأساسية. قالت إنها لم تمتلك المياه والتيار الكهربائي مقطوع لديها منذ عشرة أيام. ويشكّل ما سبق الاحتياجات الأساسية. هذه هي المشاكل في المخيم؛ ويلاحظ بشكل مباشر كل من يأتي لزيارتنا هنا مشاكل انقطاع التيار الكهربائي والنقص في المياه. تجسّد مشاكل يومية وتتمحور حول احتياجاتنا الأساسية.
هي أمور لا يضطر بتاتًا الناس حول العالم إلى التفكير بها. لدينا مشاكل ونقص في الإمدادات. هل من الطبيعي ألا يحصل المرء على الكهرباء ليلًا ونهارًا؟ هل بإمكان أحدهم ألا يستحم ويعيش من دون مياه طوال عشرة أيام؟ المياه مهمة للغاية في الحياة، ولكنّ السكان هنا مغلوب على أمرهم. ماذا ينبغي لهم أن يفعلوا؟ لا خيار أمامهم.
اعتدنا بصراحة تدريجيًا على الحياة هنا، بما أنّ ما من خيار آخر أمامنا. إمّا أن نتأقلم أو نعود إلى سوريا، ولكن العودة غير ممكنة بسبب أطفالنا. نُهبت جميع ممتلكاتنا في دمشق، وما من فرص عمل هناك وما زالت الحرب جارية. وبالتالي، لا يمكننا العودة، ونحن مضطرون إلى البقاء والتأقلم هنا.
كم أتمنى أن أمتلك منزلًا أفضل يعيش فيه أطفالي لأصنع مستقبلًا جيدًا لهم. كم أتمنى أن يتابع أطفالي الأربعة دراستهم ويصلوا إلى مستويات عالية ويحصلوا على شهادات مُعترف بها. هذا هو حلمي، وحلم زوجي أيضًا. أتمنى كذلك أن أرى لهذه الحرب نهاية ليتسنى لنا العودة إلى سوريا. (مارس/آذار 2017)

لرؤية جميع الشهادات الحية